الصريح
14-10-2008, 05:16 PM
باب الأول ( مصحف فاطمة عليها السلام )
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مسارات حياتنا متعددة ينبغي لنا فيها تفتحا للذهن وتحكما بالعقل والرجوع للتكوين الطبيعي بفكر صافي نقي لا يشوبه شيء ، وعندما تتقاطع المفصلية الناضج هو من له القدرة على التحكم بالمشهد والثبات على الطريق الذي أنوجد عليه بأخذ العلوم من أهلها فهي مدينة ونحن سنطرق أبوابها فمن كان متعطش ويريد إن يرتوي فليمد يده ويطرق الباب افتح قلبك لنا وهذا الشرح من.
- أضواءعلى عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني ص 583 :
لا شك أنه كان عند فاطمة مصحف ، حسبما تضافرت عليه الروايات ، ولكن المصحف ليس اسما مختصا بالقرآن ، حتى تختص بنت المصطفى بقرآن خاص ، وإنما كان كتابا فيه الملاحم والأخبار .
المصحف : من أصحف ، بمعنى ما جعل فيه الصحف ، وإنما سمي المصحف مصحفا ، لأنه جعل جامعا للصحف المكتوبة بين الدفتين .
ولم يكن ذلك اللفظ علما للقرآن في عصر نزوله ، وإنما صار علما له بعد رحيل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال السيوطي : روى ابن أشتة في كتاب المصاحف أنه لما جمعوا القرآن فكتبوه في الورق قال أبو بكر : التمسوا له اسما ، فقال بعضهم : السفر ، وقال بعضهم : المصحف ، فإن الحبشة يسمونه المصحف قال : وكان أبو بكر أول من جمع
- ص 583 -
كتاب الله وسماه المصحف ( 1 ) .
وأما ما هو واقع هذا الكتاب ؟ فقد كشفت عنه الروايات المتضافرة عن أئمة أهل البيت ، وقد جمع قسما كبيرا منها العلامة الشيخ مصطفى قصير العاملي في دراسته كتاب علي ومصحف فاطمة . وإليك بعضها :
1 - روى أبو عبيدة عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : " . . . إن فاطمة مكثت بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) خمسة وسبعين يوما ، وكان دخلها حزن شديد على أبيها ، وكان جبرئيل ( عليه السلام ) يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ، ويطيب نفسها ، ويخبرها عن أبيها ومكانه ، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها ، وكان علي ( عليه السلام ) يكتب ذلك ، فهذا مصحف فاطمة " ( 2 ) .
2 - روى أبو حمزة عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : " مصحف فاطمة ما فيه شئ من كتاب الله ، وإنما هو شئ ألقي إليها بعد موت أبيها صلوات الله عليهما " ( 3 ) .
والعجب أن الدس الإعلامي قد اتخذ لفظ " مصحف فاطمة " ذريعة لاتهام الشيعة بأن عندهم قرآنا يسمى " مصحف فاطمة " ، وقد سعى غير واحد من دعاة التفرقة إلى نشر تلك الفكرة الخاطئة بين المسلمين ، ولكن خاب سعيهم ، فإن للحق دولة ، وللباطل جولة .
ولعل القارئ يسأل نفسه عن كون فاطمة محدثة تحدثها الملائكة ، كما ورد في الرواية السابقة ، غير أن فاطمة ( عليها السلام ) لا تقل شأنا عن مريم البتول ، ولا عن امرأة الخليل ، قال سبحانه : { وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ
( 1 ) السيوطي ، الإتقان في علوم القرآن 1 : 185 .
( 2 ) الكليني ، الكافي 1 : 241 .
( 3 ) الصفار ،بصائر الدرجات : ص 195 ، ط مكتبة المرعشي . ( * )
- ص 585 -
وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ } ( 1 ) إلى غير ذلك من الآيات الواردة في سورتي آل عمران ، ومريم . وهذه امرأة إبراهيم تسمع كلام الملك ، يقول سبحانه : { وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى . . . وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ } ( 2 ) .
فإذا كانت مريم وامرأة الخليل محدثتين ، ففاطمة سيدة نساء العالمين أولى بأن تكون محدثة .
ما هو مصدر روايات أئمة أهل البيت ؟
هذا هو السؤال الثالث من الأسئلة الثلاثة المطروحة حول الخاتمية لدى الشيعة فنقول : إن لعلوم أئمة أهل البيت مصادر مختلفة ، ونشير إلى أصولها تاركين البحث في فروعها :
1 - النقل عن آبائهم عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إنهم ( عليهم السلام ) كثيرا ما يروون الحديث عن آبائهم عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) معنعنا ، من دون أن يتوسط بين الأسانيد شخص بين آبائهم وأجدادهم .
فمثلا لما ترك علي بن موسى الرضا نيسابور عازما إلى مرو ، اجتمعت حوله مجموعة كبيرة من المحدثين وطلبوا منه أن يحدثهم بحديث عن جده ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال :
( 1 ) آل عمران : 42 .
( 2 ) هود : 69 - 73 . ( * )
- ص 586 -
" حدثني أبي موسى بن جعفر ، قال : حدثني أبي جعفر الصادق ، قال : حدثني أبي أبو جعفر الباقر ، قال : حدثني أبي علي بن الحسين ، قال : حدثني أبي الحسين بن علي ، قال : حدثني أبي علي بن أبي طالب ، قال : حدثني رسول الله عن جبرئيل ( عليه السلام ) عن الله قال : لا إله إلا الله حصني ، فمن دخل حصني أمن من عذابي " ( 1 ) .
إن هذا النوع من الأحاديث متوفر في الجوامع الحديثية للشيعة ، فلو قام باحث بجمع هذا النوع الذي يروي فيه كابر عن كابر والإمام بعد الإمام لبلغ موسوعة كبيرة . وهذا هو هشام بن سلمان ، وحماد بن عثمان ، وغيرهما من أصحاب الإمام الصادق ، قالوا : سمعنا أبا عبد الله ( عليه السلام ) يقول : حديثي حديث أبي ، وحديث أبي حديث جدي ، وحديث جدي حديث الحسين ، وحديث الحسين حديث الحسن ، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وحديث رسول الله قول الله عز وجل ( 2 ) .
2 - النقل عن كتاب علي إن أئمة أهل البيت كانوا يستندون إلى كتاب علي ويحتجون به ، فكان الكتاب أحد مصادر علومهم التي يصدرون عنها ، وقد وقفت على قسم قليل منها فيما تقدم .
3 - الإلهام أو تحديث الملائكة إن أئمة أهل البيت حسب النصوص محدثون ، تحدثهم الملائكة ، كما كانت
( 1 ) الصدوق ، عيون أخبار الرضا 2 : 143 .
( 2 ) الكافي 1 : 53 / 14 . ( * )
- ص 587 -
تحدث مريم البتول وامرأة الخليل ، فما كان يخبرون به من الملاحم أو يجيبون عن الأسئلة فالكل مما كان يلقى في روعهم . وهذا النوع من المصدر وإن كان ثقيلا على من لم يعرف مقاماتهم ، إلا أنه صحيح لمن درس حياتهم ، ووقف على أحوالهم .
ولأجل إيقاف القارئ على أن ( المحدث ) أمر مما اتفق عليه الأعلام نبحث عنه على وجه الإيجاز :
المحدث في الإسلام : المحدث - بصيغة المفعول - : من تكلمه الملائكة بلا نبوة ولا رؤية صورة ، أو يلهم له ويلقى في روعه شئ من العلم على وجه الإلهام والمكاشفة من المبدأ الأعلى ، أو ينكت له في قلبه من حقائق تخفى على غيره .
المحدث بهذا المعنى ممن اتفق عليه الفريقان : الشيعة والسنة ، ولو كان هناك خلاف فإنما هو في مصداقه .
وقبل ذلك نجد المحدث في الأمم السالفة ، فهذا صاحب موسى كان محدثا ، فقد أخبره عن مصير السفينة والغلام والجدار على وجه جاء في سورة الكهف ( 1 ) فهو لم يكن نبيا ، ولكنه كان عارفا بما سيحدث ، وقد عرفه بإحدى الطرق المذكورة .
وهذه مريم البتول ، كانت الملائكة تكلمها وتحدثها ولم تكن نبية ، قال سبحانه : { وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ } ( 2 ) .
وقال سبحانه : { إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ
( 1 ) من الآية : 60 - 82 .
( 2 ) آل عمران : 42 . ( * )
- ص 588 -
الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ } ( 1 ) .
وهذه أم موسى يلقى في روعها ويوحى إليها ولم تكن نبية ، قال سبحانه : { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ }( 2 ) .
وأما السنة النبوية ففيها تصريح بأن في الأمة الإسلامية - نظير الأمم السالفة - رجالا يكلمون من دون أن يكونوا أنبياء ، وإليك بعض هذه النصوص :
1 - أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال : قال النبي : " لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن من أمتي منهم أحد فعمر بن الخطاب " ( 3 ) .2 - أخرج البخاري عن أبي هريرة مرفوعا " أنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون ، إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب " ( 4 ) .
قال القسطلاني في شرح الحديث : يجري على ألسنتهم الصواب من غير نبوة . وقال الخطابي : يلقى الشئ في روعه فكأنه قد حدث به ، يظن فيصيب ، ويخطر الشئ بباله فيكون . وهي منزلة رفيعة من منازل الأولياء ( 5 ) .
3 - أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : " قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم " ، قال ابن وهب : تفسير " محدثون " ملهمون . قال النووي في شرح صحيح مسلم : اختلف العلماء في تفسير المراد
( 1 ) آل عمران : 45 .
( 2 ) القصص : 7 .
( 3 ) البخاري 2 : 194 باب مناقب عمر بنالخطاب .
( 4 ) البخاري 2 : 171 ، بعد حديث الغار .
( 5 ) القسطلاني ،إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري 5 : 431 ، وانظر أيضا 6 : 99 . ( * )
- ص 589 -
ب " محدثون " فقال ابن وهب : ملهمون ، وقيل : مصيبون إذا ظنوا ، فكأنهم حدثوا بشئ فظنوه ، وقيل تكلمهم الملائكة ، وجاء في رواية " مكلمون " وقال البخاري : يجري الصواب على ألسنتهم ، وفيه كرامات الأولياء ( 1 ) .
ومن راجع شروح الصحيحين يجد نظير هذه الكلمات بوفرة ، والرأي السائد في تفسير المحدث هو تكليم الملائكة أو الإلقاء في الروع . هذا ما لدى السنة .
روايات الشيعة حول المحدث وأما الشيعة ، فعندهم أخبار عن أئمتهم تصرح بأنهم محدثون وفي الوقت نفسه ليسوا بأنبياء ، فقد روى الكليني في باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدث أحاديث أربعة : قال : " المحدث الذي يسمع الصوت ولا يرى الصورة " .
وفي رواية أخرى : سألته عن الإمام ما منزلته ؟ قال : " يسمع الصوت ولا يرى ولا يعاين الملك " . إلى غير ذلك من الروايات المصرحة بأن الأئمة الاثني عشر محدثون ( 2 ) .
روى الصفار في بصائر الدرجات عن بريد : قلت لأبي جعفر وأبي عبد الله ( عليهما السلام ) : ما منزلتكم بمن تشبهون ممن مضى ؟ فقال : " كصاحب موسى وذي القرنين كانا عالمين ولم يكونا نبيين " ( 3 ) .
هذا ما لدى الفريقين .
وبذلك يعلم أن الإخبار عن الغيب بإذن من الله سبحانه لا يلازم كون المخبر نبيا ، وأن تكلم الملائكة مع إنسان لا يصلح دليلا على كونه مبعوثا من الله سبحانه للنبوة .
( 1 ) النووي ، شرح صحيح مسلم 15 : 166 .
( 2 ) الكافي 1 : 176 باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدث .
( 3 ) بصائرالدرجات : 368 . ( * )
- ص 590 -
ولو اعتمدت الشيعة على علم الأئمة فلكونهم وارثين لعلم النبي ، ووارثين لما عند علي من الكتب التي كتبها بإملاء من رسول الله ، أو محدثين تلقى في روعهم الإجابات على الأسئلة ، فلا يدل على أنهم أنبياء ، ومن نسبهم إلى تلك الفرية الشائنة بحجة إخبارهم عن الملاحم ، فقد ضل عن سواء السبيل ، ولم يفرق بين النبوة والرسالة والتحدث
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مسارات حياتنا متعددة ينبغي لنا فيها تفتحا للذهن وتحكما بالعقل والرجوع للتكوين الطبيعي بفكر صافي نقي لا يشوبه شيء ، وعندما تتقاطع المفصلية الناضج هو من له القدرة على التحكم بالمشهد والثبات على الطريق الذي أنوجد عليه بأخذ العلوم من أهلها فهي مدينة ونحن سنطرق أبوابها فمن كان متعطش ويريد إن يرتوي فليمد يده ويطرق الباب افتح قلبك لنا وهذا الشرح من.
- أضواءعلى عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني ص 583 :
لا شك أنه كان عند فاطمة مصحف ، حسبما تضافرت عليه الروايات ، ولكن المصحف ليس اسما مختصا بالقرآن ، حتى تختص بنت المصطفى بقرآن خاص ، وإنما كان كتابا فيه الملاحم والأخبار .
المصحف : من أصحف ، بمعنى ما جعل فيه الصحف ، وإنما سمي المصحف مصحفا ، لأنه جعل جامعا للصحف المكتوبة بين الدفتين .
ولم يكن ذلك اللفظ علما للقرآن في عصر نزوله ، وإنما صار علما له بعد رحيل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال السيوطي : روى ابن أشتة في كتاب المصاحف أنه لما جمعوا القرآن فكتبوه في الورق قال أبو بكر : التمسوا له اسما ، فقال بعضهم : السفر ، وقال بعضهم : المصحف ، فإن الحبشة يسمونه المصحف قال : وكان أبو بكر أول من جمع
- ص 583 -
كتاب الله وسماه المصحف ( 1 ) .
وأما ما هو واقع هذا الكتاب ؟ فقد كشفت عنه الروايات المتضافرة عن أئمة أهل البيت ، وقد جمع قسما كبيرا منها العلامة الشيخ مصطفى قصير العاملي في دراسته كتاب علي ومصحف فاطمة . وإليك بعضها :
1 - روى أبو عبيدة عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : " . . . إن فاطمة مكثت بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) خمسة وسبعين يوما ، وكان دخلها حزن شديد على أبيها ، وكان جبرئيل ( عليه السلام ) يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ، ويطيب نفسها ، ويخبرها عن أبيها ومكانه ، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها ، وكان علي ( عليه السلام ) يكتب ذلك ، فهذا مصحف فاطمة " ( 2 ) .
2 - روى أبو حمزة عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : " مصحف فاطمة ما فيه شئ من كتاب الله ، وإنما هو شئ ألقي إليها بعد موت أبيها صلوات الله عليهما " ( 3 ) .
والعجب أن الدس الإعلامي قد اتخذ لفظ " مصحف فاطمة " ذريعة لاتهام الشيعة بأن عندهم قرآنا يسمى " مصحف فاطمة " ، وقد سعى غير واحد من دعاة التفرقة إلى نشر تلك الفكرة الخاطئة بين المسلمين ، ولكن خاب سعيهم ، فإن للحق دولة ، وللباطل جولة .
ولعل القارئ يسأل نفسه عن كون فاطمة محدثة تحدثها الملائكة ، كما ورد في الرواية السابقة ، غير أن فاطمة ( عليها السلام ) لا تقل شأنا عن مريم البتول ، ولا عن امرأة الخليل ، قال سبحانه : { وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ
( 1 ) السيوطي ، الإتقان في علوم القرآن 1 : 185 .
( 2 ) الكليني ، الكافي 1 : 241 .
( 3 ) الصفار ،بصائر الدرجات : ص 195 ، ط مكتبة المرعشي . ( * )
- ص 585 -
وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ } ( 1 ) إلى غير ذلك من الآيات الواردة في سورتي آل عمران ، ومريم . وهذه امرأة إبراهيم تسمع كلام الملك ، يقول سبحانه : { وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى . . . وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ } ( 2 ) .
فإذا كانت مريم وامرأة الخليل محدثتين ، ففاطمة سيدة نساء العالمين أولى بأن تكون محدثة .
ما هو مصدر روايات أئمة أهل البيت ؟
هذا هو السؤال الثالث من الأسئلة الثلاثة المطروحة حول الخاتمية لدى الشيعة فنقول : إن لعلوم أئمة أهل البيت مصادر مختلفة ، ونشير إلى أصولها تاركين البحث في فروعها :
1 - النقل عن آبائهم عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إنهم ( عليهم السلام ) كثيرا ما يروون الحديث عن آبائهم عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) معنعنا ، من دون أن يتوسط بين الأسانيد شخص بين آبائهم وأجدادهم .
فمثلا لما ترك علي بن موسى الرضا نيسابور عازما إلى مرو ، اجتمعت حوله مجموعة كبيرة من المحدثين وطلبوا منه أن يحدثهم بحديث عن جده ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال :
( 1 ) آل عمران : 42 .
( 2 ) هود : 69 - 73 . ( * )
- ص 586 -
" حدثني أبي موسى بن جعفر ، قال : حدثني أبي جعفر الصادق ، قال : حدثني أبي أبو جعفر الباقر ، قال : حدثني أبي علي بن الحسين ، قال : حدثني أبي الحسين بن علي ، قال : حدثني أبي علي بن أبي طالب ، قال : حدثني رسول الله عن جبرئيل ( عليه السلام ) عن الله قال : لا إله إلا الله حصني ، فمن دخل حصني أمن من عذابي " ( 1 ) .
إن هذا النوع من الأحاديث متوفر في الجوامع الحديثية للشيعة ، فلو قام باحث بجمع هذا النوع الذي يروي فيه كابر عن كابر والإمام بعد الإمام لبلغ موسوعة كبيرة . وهذا هو هشام بن سلمان ، وحماد بن عثمان ، وغيرهما من أصحاب الإمام الصادق ، قالوا : سمعنا أبا عبد الله ( عليه السلام ) يقول : حديثي حديث أبي ، وحديث أبي حديث جدي ، وحديث جدي حديث الحسين ، وحديث الحسين حديث الحسن ، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وحديث رسول الله قول الله عز وجل ( 2 ) .
2 - النقل عن كتاب علي إن أئمة أهل البيت كانوا يستندون إلى كتاب علي ويحتجون به ، فكان الكتاب أحد مصادر علومهم التي يصدرون عنها ، وقد وقفت على قسم قليل منها فيما تقدم .
3 - الإلهام أو تحديث الملائكة إن أئمة أهل البيت حسب النصوص محدثون ، تحدثهم الملائكة ، كما كانت
( 1 ) الصدوق ، عيون أخبار الرضا 2 : 143 .
( 2 ) الكافي 1 : 53 / 14 . ( * )
- ص 587 -
تحدث مريم البتول وامرأة الخليل ، فما كان يخبرون به من الملاحم أو يجيبون عن الأسئلة فالكل مما كان يلقى في روعهم . وهذا النوع من المصدر وإن كان ثقيلا على من لم يعرف مقاماتهم ، إلا أنه صحيح لمن درس حياتهم ، ووقف على أحوالهم .
ولأجل إيقاف القارئ على أن ( المحدث ) أمر مما اتفق عليه الأعلام نبحث عنه على وجه الإيجاز :
المحدث في الإسلام : المحدث - بصيغة المفعول - : من تكلمه الملائكة بلا نبوة ولا رؤية صورة ، أو يلهم له ويلقى في روعه شئ من العلم على وجه الإلهام والمكاشفة من المبدأ الأعلى ، أو ينكت له في قلبه من حقائق تخفى على غيره .
المحدث بهذا المعنى ممن اتفق عليه الفريقان : الشيعة والسنة ، ولو كان هناك خلاف فإنما هو في مصداقه .
وقبل ذلك نجد المحدث في الأمم السالفة ، فهذا صاحب موسى كان محدثا ، فقد أخبره عن مصير السفينة والغلام والجدار على وجه جاء في سورة الكهف ( 1 ) فهو لم يكن نبيا ، ولكنه كان عارفا بما سيحدث ، وقد عرفه بإحدى الطرق المذكورة .
وهذه مريم البتول ، كانت الملائكة تكلمها وتحدثها ولم تكن نبية ، قال سبحانه : { وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ } ( 2 ) .
وقال سبحانه : { إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ
( 1 ) من الآية : 60 - 82 .
( 2 ) آل عمران : 42 . ( * )
- ص 588 -
الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ } ( 1 ) .
وهذه أم موسى يلقى في روعها ويوحى إليها ولم تكن نبية ، قال سبحانه : { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ }( 2 ) .
وأما السنة النبوية ففيها تصريح بأن في الأمة الإسلامية - نظير الأمم السالفة - رجالا يكلمون من دون أن يكونوا أنبياء ، وإليك بعض هذه النصوص :
1 - أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال : قال النبي : " لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن من أمتي منهم أحد فعمر بن الخطاب " ( 3 ) .2 - أخرج البخاري عن أبي هريرة مرفوعا " أنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون ، إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب " ( 4 ) .
قال القسطلاني في شرح الحديث : يجري على ألسنتهم الصواب من غير نبوة . وقال الخطابي : يلقى الشئ في روعه فكأنه قد حدث به ، يظن فيصيب ، ويخطر الشئ بباله فيكون . وهي منزلة رفيعة من منازل الأولياء ( 5 ) .
3 - أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : " قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم " ، قال ابن وهب : تفسير " محدثون " ملهمون . قال النووي في شرح صحيح مسلم : اختلف العلماء في تفسير المراد
( 1 ) آل عمران : 45 .
( 2 ) القصص : 7 .
( 3 ) البخاري 2 : 194 باب مناقب عمر بنالخطاب .
( 4 ) البخاري 2 : 171 ، بعد حديث الغار .
( 5 ) القسطلاني ،إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري 5 : 431 ، وانظر أيضا 6 : 99 . ( * )
- ص 589 -
ب " محدثون " فقال ابن وهب : ملهمون ، وقيل : مصيبون إذا ظنوا ، فكأنهم حدثوا بشئ فظنوه ، وقيل تكلمهم الملائكة ، وجاء في رواية " مكلمون " وقال البخاري : يجري الصواب على ألسنتهم ، وفيه كرامات الأولياء ( 1 ) .
ومن راجع شروح الصحيحين يجد نظير هذه الكلمات بوفرة ، والرأي السائد في تفسير المحدث هو تكليم الملائكة أو الإلقاء في الروع . هذا ما لدى السنة .
روايات الشيعة حول المحدث وأما الشيعة ، فعندهم أخبار عن أئمتهم تصرح بأنهم محدثون وفي الوقت نفسه ليسوا بأنبياء ، فقد روى الكليني في باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدث أحاديث أربعة : قال : " المحدث الذي يسمع الصوت ولا يرى الصورة " .
وفي رواية أخرى : سألته عن الإمام ما منزلته ؟ قال : " يسمع الصوت ولا يرى ولا يعاين الملك " . إلى غير ذلك من الروايات المصرحة بأن الأئمة الاثني عشر محدثون ( 2 ) .
روى الصفار في بصائر الدرجات عن بريد : قلت لأبي جعفر وأبي عبد الله ( عليهما السلام ) : ما منزلتكم بمن تشبهون ممن مضى ؟ فقال : " كصاحب موسى وذي القرنين كانا عالمين ولم يكونا نبيين " ( 3 ) .
هذا ما لدى الفريقين .
وبذلك يعلم أن الإخبار عن الغيب بإذن من الله سبحانه لا يلازم كون المخبر نبيا ، وأن تكلم الملائكة مع إنسان لا يصلح دليلا على كونه مبعوثا من الله سبحانه للنبوة .
( 1 ) النووي ، شرح صحيح مسلم 15 : 166 .
( 2 ) الكافي 1 : 176 باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدث .
( 3 ) بصائرالدرجات : 368 . ( * )
- ص 590 -
ولو اعتمدت الشيعة على علم الأئمة فلكونهم وارثين لعلم النبي ، ووارثين لما عند علي من الكتب التي كتبها بإملاء من رسول الله ، أو محدثين تلقى في روعهم الإجابات على الأسئلة ، فلا يدل على أنهم أنبياء ، ومن نسبهم إلى تلك الفرية الشائنة بحجة إخبارهم عن الملاحم ، فقد ضل عن سواء السبيل ، ولم يفرق بين النبوة والرسالة والتحدث