السيد حسن اليوسف
30-06-2009, 09:19 AM
رحلة الامام الباقر الى الشام
مناظرة
الإمام الباقر ( عليه السلام ) مع هشام بن عبد الملك
عن عمارة بن زيد الواقدي ، قال : حجَّ هشام بن عبد الملك بن مروان سنة من السنين ، وكان قد حجَّ في تلك السنة محمّد بن علي الباقر وابنه جعفر ( عليهما السلام ) ، فقال جعفر في بعض كلامه : الحمد لله الذي بعث محمّداً بالحقِّ نبيّاً ، وأكرمنا به ، فنحن صفوة الله على خلقه ، وخيرته من عباده ، فالسعيد من اتّبعنا ، والشقيُّ من عادانا وخالفنا ، ومن الناس من يقول إنه يتولاّنا وهو يوالي أعداءنا ومن يليهم من جلسائهم وأصحابهم ، فهو لم يسمع كلام ربِّنا ولم يعمل به.
قال أبو عبدالله جعفر بن محمّد ( عليه السلام ) : فأخبر مسيلمة أخاه بما سمع ، فلم يعرض لنا حتى انصرف إلى دمشق ، وانصرفنا إلى المدينة ، فأنفذ بريداً إلى عامل المدينة بإشخاص أبي وإشخاصي معه ، فأشخصنا ، فلمَّا وردنا دمشق حجبنا ثلاثة أيام ، ثمَّ أذن لنا في اليوم الرابع ، فدخلنا وإذا هو قد قعد على سرير الملك ، وجنده وخاصّته وقوف على أرجلهم سماطين متسلِّحين ، وقد نصب البرجاس (غرض في الهواء يرمى به) حذاءه ، وأشياخ قومه يرمون.
فلمَّا دخل أبي وأنا خلفه ما زال يستدنينا منه حتى حاذيناه ، وجلسنا قليلا ، فقال لأبي : يا أبا جعفر ! لو رميت مع أشياخ قومك الغرض ، وإنّما أراد أن يهتك بأبي ، ظنّاً منه أنه يقصر ويخطئ ولا يصيب إذا رمى ، فيشتفي منه بذلك ، فقال له : إنّي قد كبرت عن الرمي ، فإن رأيت أن تعفيني.
فقال : وحقِّ من أعزنا بدينه ونبيِّه محمّد ( صلى الله عليه وآله ) لا أعفيك ، ثمَّ أومأ إلى شيخ من بني أميَّة أن أعطه قوسك.
فتناول أبي عند ذلك قوس الشيخ ، ثمَّ تناول منه سهماً فوضعه في كبد القوس ، ثمَّ انتزع ورمى وسط الغرض فنصبه فيه ، ثمَّ رمى فيه الثانية فشقَّ فوق سهمه إلى نصله ، ثمَّ تابع الرمي حتى شقَّ تسعة أسهم بعضها في جوف بعض ، وهشام يضطرب في مجلسه ، فلم يتمالك أن قال : أجدت يا أبا جعفر ، وأنت أرمى العرب والعجم ، كلاَّ ، زعمت أنك قد كبرت عن الرمي ، ثمَّ أدركته ندامة على ما قال.
وكان هشام لا يكنّي أحداً قبل أبي ولا بعده في خلافته ، فهمَّ به ، وأطرق إطراقة يرتأي فيه رأياً ، وأبي واقف بحذائه مواجهاً له ، وأنا وراء أبي ، فلمَّا طال وقوفنا بين يديه غضب أبي فهمَّ به ، وكان أبي إذا غضب نظر إلى السماء نظر غضبان ، يتبيَّن للناظر الغضب في وجهه ، فلمَّا نظر هشام ذلك من أبي قال له : يا محمّد ! اصعد ، فصعد أبي إلى سريره وأنا أتبعه.
فلمَّا دنا من هشام قام إليه فاعتنقه وأقعده عن يمينه ، ثمَّ اعتنقني وأقعدني
عن يمين أبي ، ثمَّ أقبل على أبي بوجهه فقال له : يا محمّد ! لا تزال العرب والعجم تسودها قريش ما دام فيهم مثلك ، ولله درُّك ، من علَّمك هذا الرمي ؟ وفي كم تعلَّمته ؟
فقال له أبي : قد علمت أن أهل المدينة يتعاطونه ، فتعاطيته أيام حداثتي ، ثمَّ تركته ، فلمَّا أراد أميرالمؤمنين منّي ذلك عدت إليه.
فقال له : ما رأيت مثل هذا الرمي قط مذ عقلت ، وما ظننت أن في الأرض أحداً يرمي مثل هذا الرمي ، أين رمي جعفر من رميك ؟
فقال : إنّا نحن نتوارث الكمال والتمام اللذين أنزلهما الله على نبيِّه ( صلى الله عليه وآله ) في قوله : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) ، والأرض لا تخلو ممن يكمل هذه الأمور التي يقصر عنها غيرنا.
قال : فلمَّا سمع ذلك من أبي انقلبت عينه اليمنى فاحولّت ، واحمرَّ وجهه ، وكان ذلك علامة غضبه إذا غضب ، ثمَّ أطرق هنيئة ، ثمَّ رفع رأسه فقال لأبي : ألسنا بنو عبد مناف نسبنا ونسبكم واحد ؟
فقال أبي : نحن كذلك ، ولكنَّ الله ـ جلَّ ثناؤه ـ اختصّنا من مكنون سرِّه وخالص علمه ، بما لم يختص أحداً به غيرنا.
فقال : أليس الله ـ جلَّ ثناؤه ـ بعث محمّداً ( صلى الله عليه وآله ) من شجرة عبد مناف إلى الناس كافّة ، أبيضها وأسودها وأحمرها ، من أين ورثتم ما ليس لغيركم ؟ ورسول الله مبعوث إلى الناس كافّة ، وذلك قول الله تبارك وتعالى : ( وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) إلى آخر الآية ، فمن أين ورثتم هذا العلم وليس بعد محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نبيٌّ
ولا أنتم أنبياء ؟
فقال : من قوله تعالى لنبيِّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ) فالذي أبداه فهو للناس كافّة ، والذي لم يحرِّك به لسانه أمر الله تعالى أن يخصَّنا به من دون غيرنا ، فلذلك كان يناجي أخاه عليّاً من دون أصحابه ، وأنزل الله بذلك قرآناً في قوله تعالى : ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) ، فقال رسول الله لأصحابه : سألت الله تعالى أن يجعلها أذنك يا علي ، فلذلك قال علي بن أبي طالب ـ صلوات الله عليه ـ بالكوفة : علَّمني رسول الله ( صلى الله عليه وآله) ألف باب من العلم يفتح من كل باب ألف باب ، خصَّه به رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من مكنون علمه ما خصَّه الله به ، فصار إلينا ، وتوارثناه من دون قومنا.
فقال له هشام : إن عليّاً كان يدّعي علم الغيب ، والله لم يطلع على غيبه أحداً ، فمن أين ادّعى ذلك ؟
فقال أبي : إن الله ـ جلَّ ذكره ـ أنزل على نبيِّه كتاباً بيَّن فيه ما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، في قوله : ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْء وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) ، وفي قوله : ( كُلَّ شَيْء أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَام مُبِين ) ، وفي قوله : ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْء ) ، وفي قوله : ( وَمَا مِنْ غَائِبَة فِي السَّمَاء وَالاَْرْضِ إِلاَّ فِي كِتَاب مُّبِين ) وأوحى الله تعالى إلى نبيِّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن لا يبقي في غيبه وسرِّه ومكنون علمه شيئاً إلاَّ يناجي به عليّاً ، فأمره أن يؤلِّف القرآن من بعده ، ويتولَّى غسله وتكفينه وتحنيطه من دون قومه ، وقال لأصحابه : حرام على أصحابي وأهلي أن ينظروا إلى عورتي غير أخي علي ، فإنّه منّي وأنا منه ، له مالي ، وعليه ما عليَّ ، وهو قاضي ديني ومنجز موعدي.
ثمَّ قال لأصحابه : علي بن أبي طالب يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله ، ولم يكن عند أحد تأويل القرآن بكماله وتمامه إلاَّ عند علي ( عليه السلام ) ، ولذلك قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله) لأصحابه : أقضاكم علي ; أي هو قاضيكم ، وقال عمر بن الخطاب : لو لا عليٌّ لهلك عمر ، أفيشهد له عمر ويجحد غيره ؟!
فأطرق هشام طويلا ، ثمَّ رفع رأسه فقال : سل حاجتك.
فقال : خلَّفت أهلي وعيالي مستوحشين لخروجي.
فقال : قد آمن الله وحشتهم برجوعك إليهم ، ولا تقم أكثر من يومك .
فقال : قد آنس الله وحشتهم برجوعك إليهم ولا تقم ، سر من يومك ، فاعتنقه أبي ودعا له وفعلت أنا كفعل أبي ، ثمّ نهض ونهضت معه وخرجنا إلى بابه ، إذا ميدان ببابه وفي آخر الميدان اُناس قعود عدد كثير .
قال أبي : مَن هؤلاء ؟
فقال الحجّاب : هؤلاء القسّيسون والرهبان وهذا عالم لهم يقعد إليهم في كلّ سنة يوماً واحداً يستفتونه فيفتيهم .
فلفّ أبي عند ذلك رأسه بفاضل ردائه وفعلت أنا مثل فعل أبي ، فأقبل نحوهم حتّى قعد نحوهم وقعدت وراء أبي ، ورُفع ذلك الخبر إلى هشام ، فأمر بعض غلمانه أن يحضر الموضع فينظر ما يصنع أبي .
فأقبل وأقبل عداد من المسلمين فأحاطوا بنا ، وأقبل عالم النصارى وقد شدّ حاجبيه بحريرة صفراء حتّى توسّطنا ، فقام إليه جميع القسّيسين والرهبان مسلّمين عليه ، فجاؤوا به إلى صدر المجلس فقعد فيه ، وأحاط به أصحابه وأبي وأنا بينهم ، فأدار نظره ثمّ قال : لأبي : أمنّا أم من هذه الاُمّة المرحومة ؟
فقال أبي : بل من هذه الاُمّة المرحومة .
فقال : من أيّهم أنت من علمائها أم من جهّالها ؟
فقال له أبي : لست من جهّالها .
فاضطرب اضطراباً شديداً .
ثمّ قال له : أسألك ؟
فقال له أبي : سل .
فقال : من أين ادّعيتم أنّ أهل الجنّة يطعمون ويشربون ولا يحدثون ولا يبولون ؟ وما الدليل فيما تدّعونه من شاهد لا يجهل ؟
فقال له أبي : « دليل ما ندّعي من شاهد لا يُجهل : الجنين في بطن اُمّه يطعم ولا يحدث » ، قال : فاضطرب النصراني اضطراباً شديداً ، ثمّ قال : هلاّ زعمت أنّك لست من علمائها ؟
فقال له أبي : ولا من جهّالها ، وأصحاب هشام يسمعون ذلك .
فقال لأبي : أسألك عن مسألة اُخرى ؟
فقال له أبي : سل .
فقال : من أين ادّعيتم أنّ فاكهة الجنّة أبداً غضّة طريّة موجودة غير معدومة عند جميع أهل الجنّة ؟ وما الدليل عليه من شاهد لا يُجهل ؟
فقال له أبي : « دليل ما ندّعي أنّ ترابنا أبداً يكون غضّاً طريّاً موجوداً غير معدوم عند جميع أهل الدنيا لا ينقطع » .
فاضطرب اضطراباً شديداً ، ثمّ قال : هلاّ زعمت أنّك لست من علمائها ؟
فقال له أبي : ولا من جهّالها .
فقال له : أسألك عن مسألة ؟
فقال : سل .
فقال : أخبرني عن ساعة لا من ساعات الليل ولا من ساعات النهار .
فقال له أبي : « هي الساعة التي بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس يهدأ فيها المبتلى ، ويرقد فيها الساهر ، ويفيق المغمى عليه ، جعلها الله في الدنيا رغبة للراغبين وفي الآخرة للعاملين لها دليلا واضحاً وحجّة بالغة على الجاحدين المتكبّرين التاركين لها » .
قال : فصاح النصراني صيحة ثمّ قال : بقيت مسألة واحدة والله لأسألك عن مسألة لا تهدي إلى الجواب عنها أبداً .
قال له أبي : سل فإنّك حانث في يمينك .
فقال : أخبرني عن مولودين ولدا في يوم واحد وماتا في يوم واحد عمّر
أحدهما خمسون سنة ، وعمّر الآخر مائة وخمسون سنة في دار الدنيا .
فقال له أبي : « ذلك عُزير وعُزيرة ولدا في يوم واحد ، فلمّا بلغا مبلغ الرجال خمسة وعشرين عاماً ، مرّ عزير على حماره راكباً على قرية بأنطاكية وهي خاوية على عروشها (قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) وقد كان اصطفاه وهداه ، فلمّا قال ذلك القول غضب الله عليه فأماته الله مائة عام سخطاً عليه بما قال .
ثمّ بعثه على حماره بعينه وطعامه وشرابه وعاد إلى داره ، وعزيرة أخوه لا يعرفه فاستضافه فأضافه ، وبعث إليه ولد عزيرة وولد ولده وقد شاخوا وعزير شاب في سنّ خمس وعشرين سنة ، فلم يزل عزير يذكّر أخاه وولده وقد شاخوا وهم يذكرون ما يذكّرهم ويقولون : ما أعلمك بأمر قد مضت عليه السنون والشهور ، ويقول له عزيرة وهو شيخ كبير ابن مائة وخمسة وعشرين سنة : ما رأيت شابّاً في سنّ خمسة وعشرين سنة أعلم بما كان بيني وبين أخي عزير أيّام شبابي منك ! فمن أهل السماء أنت ؟ أم من أهل الأرض ؟
فقال : ياعزيرة أنا عزير سخط الله علىّ بقول قلته بعد أن اصطفاني وهداني فأماتني مائة سنة ثمّ بعثني لتزدادوا بذلك يقيناً إنّ الله على كلّ شيء قدير ، وهاهو هذا حماري وطعامي وشرابي الذي خرجت به من عندكم أعاده الله تعالى كما كان .
فعندها أيقنوا فأعاشه الله بينهم خمسة وعشرين سنة ، ثمّ قبضه الله
وأخاه في يوم واحد » .
فنهض عالم النصارى عند ذلك قائماً وقاموا ـ النصارى ـ على أرجلهم فقال لهم عالمهم : جئتموني بأعلم منّي وأقعدتموه معكم حتّى هتكني وفضحني وأعلم المسلمين بأنّ لهم من أحاط بعلومنا ، وعنده ما ليس عندنا ، لا والله لا كلّمتكم من رأسي كلمة واحدة ، ولا قعدت لكم إن عشت سنة ، فتفرّقوا وأبي قاعد مكانه وأنا معه ، ورفع ذلك الخبر إلى هشام .
فلمّا تفرّق الناس نهض أبي وانصرف إلى المنزل الذي كنّا فيه ، فوافانا رسول هشام بالجائزة وأمرنا أن ننصرف إلى المدينة من ساعتنا ولا نجلس ، لأنّ الناس ماجوا وخاضوا فيما دار بين أبي وبين عالم النصارى .
فركبنا دوابّنا منصرفين وقد سبقنا بريد من عند هشام إلى عامل مَدْيَن على طريقنا إلى المدينة أنّ ابنيَ أبي تراب الساحرين : محمّد بن علي وجعفر بن محمّد الكذّابين ـ بل هو الكذّاب لعنه الله ـ فيما يظهران من الإسلام وردا عليّ ولمّا صرفتهما إلى المدينة مالا إلى القسّيسين والرهبان من كفّار النصارى وأظهرا لهما دينهما ومرقا من الإسلام إلى الكفر دين النصارى وتقرّبا إليهم بالنصرانية ، فكرهت أن اُنكّل بهما لقرابتهما ، فإذا قرأت كتابي هذا فناد في الناس : برئت الذمّة ممّن يشاريهما أو يبايعهما أو يصافحهما أو يسلّم عليهما فإنّهما قد ارتدّا عن الإسلام ، ورأى أمير المؤمنين أن يقتلهما ودوابّهما وغلمانهما ومن معهما شرّ قتلة ، قال : فورد البريد إلى مدينة مدين .
فلمّا شارفنا مدينة مدين قدّم أبي غلمانه ليرتادوا لنا منزلا ويشروا لدوابّنا علفاً ، ولنا طعاماً ، فلمّا قرب غلماننا من باب المدينة أغلقوا الباب في
وجوهنا وشتمونا وذكروا علي بن أبي طالب صلوات الله عليه فقالوا : لا نزول لكم عندنا ولا شراء ولا بيع ياكفّار يامشركين يامرتدّين ياكذّابين ياشرّ الخلائق أجمعين فوقف غلماننا على الباب حتّى انتهينا إليهم فكلّمهم أبي وليّن لهم القول وقال لهم : اتّقوا الله ولا تغلظوا فلسنا كما بلغكم ولا نحن كما تقولون فاسمعونا .
فقال لهم : فهبنا كما تقولون افتحوا لنا الباب وشارونا وبايعونا كما تشارون وتبايعون اليهود والنصارى والمجوس .
فقالوا : أنتم شرّ من اليهود والنصارى والمجوس لأنّ هؤلاء يؤدّون الجزية وأنتم ما تؤدّون .
فقال لهم أبي : فافتحوا لنا الباب وأنزلونا وخذوا منّا الجزية كما تأخذون منهم .
فقالوا : لا نفتح ولا كرامة لكم حتّى تموتوا على ظهور دوابّكم جياعاً نياعاً أو تموت دوابّكم تحتكم ، فوعّظهم أبي فازدادوا عتوّاً ونشوزاً .
قال : فثنّى أبي رجله عن سرجه ثمّ قال لي : مكانك ياجعفر لا تبرح .
ثمّ صعد الجبل المطلّ على مدينة مدين وأهل مدين ينظرون إليه ما يصنع ، فلمّا صار في أعلاه استقبل بوجهه المدينة وجسده ، ثمّ وضع إصبعيه في اُذنيه ثمّ نادى بأعلا صوته : (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً) إلى قوله : (بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) .
نحن والله بقيّة الله في أرضه ، فأمر الله ريحاً سوداء مظلمة فهبّت
واحتملت صوت أبي فطرحته في أسماع الرجال والصبيان والنساء ، فما بقي أحد من الرجال والنساء والصبيان إلاّ صعد السطوح ، وأبي مشرف عليهم ، وصعد فيمن صعد شيخ من أهل مدين كبير السنّ ، فنظر إلى أبي على الجبل ، فنادى بأعلا صوته :
اتّقوا الله ياأهل مدين فإنّه قد وقف الموقف الذي وقف فيه شعيب (عليه السلام) حين دعا على قومه ، فإن أنتم لم تفتحوا له الباب ولم تنزلوه جاءكم من الله العذاب فإنّي أخاف عليكم وقد أعذر من أنذر » ، ففزعوا وفتحوا الباب وأنزلونا ، وكُتب بجميع ذلك إلى هشام فارتحلنا في اليوم الثاني ، فكتب هشام إلى عامل مدين يأمره بأن يأخذ الشيخ فيقتله رحمة الله عليه وصلواته وكتب إلى عامل مدينة الرسول أن يحتال في سمّ أبي في طعام أو شراب ، فمضى هشام ولم يتهيّأ له في أبي من ذلك شيء .
مناظرة
الإمام الباقر ( عليه السلام ) مع هشام بن عبد الملك
عن عمارة بن زيد الواقدي ، قال : حجَّ هشام بن عبد الملك بن مروان سنة من السنين ، وكان قد حجَّ في تلك السنة محمّد بن علي الباقر وابنه جعفر ( عليهما السلام ) ، فقال جعفر في بعض كلامه : الحمد لله الذي بعث محمّداً بالحقِّ نبيّاً ، وأكرمنا به ، فنحن صفوة الله على خلقه ، وخيرته من عباده ، فالسعيد من اتّبعنا ، والشقيُّ من عادانا وخالفنا ، ومن الناس من يقول إنه يتولاّنا وهو يوالي أعداءنا ومن يليهم من جلسائهم وأصحابهم ، فهو لم يسمع كلام ربِّنا ولم يعمل به.
قال أبو عبدالله جعفر بن محمّد ( عليه السلام ) : فأخبر مسيلمة أخاه بما سمع ، فلم يعرض لنا حتى انصرف إلى دمشق ، وانصرفنا إلى المدينة ، فأنفذ بريداً إلى عامل المدينة بإشخاص أبي وإشخاصي معه ، فأشخصنا ، فلمَّا وردنا دمشق حجبنا ثلاثة أيام ، ثمَّ أذن لنا في اليوم الرابع ، فدخلنا وإذا هو قد قعد على سرير الملك ، وجنده وخاصّته وقوف على أرجلهم سماطين متسلِّحين ، وقد نصب البرجاس (غرض في الهواء يرمى به) حذاءه ، وأشياخ قومه يرمون.
فلمَّا دخل أبي وأنا خلفه ما زال يستدنينا منه حتى حاذيناه ، وجلسنا قليلا ، فقال لأبي : يا أبا جعفر ! لو رميت مع أشياخ قومك الغرض ، وإنّما أراد أن يهتك بأبي ، ظنّاً منه أنه يقصر ويخطئ ولا يصيب إذا رمى ، فيشتفي منه بذلك ، فقال له : إنّي قد كبرت عن الرمي ، فإن رأيت أن تعفيني.
فقال : وحقِّ من أعزنا بدينه ونبيِّه محمّد ( صلى الله عليه وآله ) لا أعفيك ، ثمَّ أومأ إلى شيخ من بني أميَّة أن أعطه قوسك.
فتناول أبي عند ذلك قوس الشيخ ، ثمَّ تناول منه سهماً فوضعه في كبد القوس ، ثمَّ انتزع ورمى وسط الغرض فنصبه فيه ، ثمَّ رمى فيه الثانية فشقَّ فوق سهمه إلى نصله ، ثمَّ تابع الرمي حتى شقَّ تسعة أسهم بعضها في جوف بعض ، وهشام يضطرب في مجلسه ، فلم يتمالك أن قال : أجدت يا أبا جعفر ، وأنت أرمى العرب والعجم ، كلاَّ ، زعمت أنك قد كبرت عن الرمي ، ثمَّ أدركته ندامة على ما قال.
وكان هشام لا يكنّي أحداً قبل أبي ولا بعده في خلافته ، فهمَّ به ، وأطرق إطراقة يرتأي فيه رأياً ، وأبي واقف بحذائه مواجهاً له ، وأنا وراء أبي ، فلمَّا طال وقوفنا بين يديه غضب أبي فهمَّ به ، وكان أبي إذا غضب نظر إلى السماء نظر غضبان ، يتبيَّن للناظر الغضب في وجهه ، فلمَّا نظر هشام ذلك من أبي قال له : يا محمّد ! اصعد ، فصعد أبي إلى سريره وأنا أتبعه.
فلمَّا دنا من هشام قام إليه فاعتنقه وأقعده عن يمينه ، ثمَّ اعتنقني وأقعدني
عن يمين أبي ، ثمَّ أقبل على أبي بوجهه فقال له : يا محمّد ! لا تزال العرب والعجم تسودها قريش ما دام فيهم مثلك ، ولله درُّك ، من علَّمك هذا الرمي ؟ وفي كم تعلَّمته ؟
فقال له أبي : قد علمت أن أهل المدينة يتعاطونه ، فتعاطيته أيام حداثتي ، ثمَّ تركته ، فلمَّا أراد أميرالمؤمنين منّي ذلك عدت إليه.
فقال له : ما رأيت مثل هذا الرمي قط مذ عقلت ، وما ظننت أن في الأرض أحداً يرمي مثل هذا الرمي ، أين رمي جعفر من رميك ؟
فقال : إنّا نحن نتوارث الكمال والتمام اللذين أنزلهما الله على نبيِّه ( صلى الله عليه وآله ) في قوله : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) ، والأرض لا تخلو ممن يكمل هذه الأمور التي يقصر عنها غيرنا.
قال : فلمَّا سمع ذلك من أبي انقلبت عينه اليمنى فاحولّت ، واحمرَّ وجهه ، وكان ذلك علامة غضبه إذا غضب ، ثمَّ أطرق هنيئة ، ثمَّ رفع رأسه فقال لأبي : ألسنا بنو عبد مناف نسبنا ونسبكم واحد ؟
فقال أبي : نحن كذلك ، ولكنَّ الله ـ جلَّ ثناؤه ـ اختصّنا من مكنون سرِّه وخالص علمه ، بما لم يختص أحداً به غيرنا.
فقال : أليس الله ـ جلَّ ثناؤه ـ بعث محمّداً ( صلى الله عليه وآله ) من شجرة عبد مناف إلى الناس كافّة ، أبيضها وأسودها وأحمرها ، من أين ورثتم ما ليس لغيركم ؟ ورسول الله مبعوث إلى الناس كافّة ، وذلك قول الله تبارك وتعالى : ( وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) إلى آخر الآية ، فمن أين ورثتم هذا العلم وليس بعد محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نبيٌّ
ولا أنتم أنبياء ؟
فقال : من قوله تعالى لنبيِّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ) فالذي أبداه فهو للناس كافّة ، والذي لم يحرِّك به لسانه أمر الله تعالى أن يخصَّنا به من دون غيرنا ، فلذلك كان يناجي أخاه عليّاً من دون أصحابه ، وأنزل الله بذلك قرآناً في قوله تعالى : ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) ، فقال رسول الله لأصحابه : سألت الله تعالى أن يجعلها أذنك يا علي ، فلذلك قال علي بن أبي طالب ـ صلوات الله عليه ـ بالكوفة : علَّمني رسول الله ( صلى الله عليه وآله) ألف باب من العلم يفتح من كل باب ألف باب ، خصَّه به رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من مكنون علمه ما خصَّه الله به ، فصار إلينا ، وتوارثناه من دون قومنا.
فقال له هشام : إن عليّاً كان يدّعي علم الغيب ، والله لم يطلع على غيبه أحداً ، فمن أين ادّعى ذلك ؟
فقال أبي : إن الله ـ جلَّ ذكره ـ أنزل على نبيِّه كتاباً بيَّن فيه ما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، في قوله : ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْء وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) ، وفي قوله : ( كُلَّ شَيْء أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَام مُبِين ) ، وفي قوله : ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْء ) ، وفي قوله : ( وَمَا مِنْ غَائِبَة فِي السَّمَاء وَالاَْرْضِ إِلاَّ فِي كِتَاب مُّبِين ) وأوحى الله تعالى إلى نبيِّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن لا يبقي في غيبه وسرِّه ومكنون علمه شيئاً إلاَّ يناجي به عليّاً ، فأمره أن يؤلِّف القرآن من بعده ، ويتولَّى غسله وتكفينه وتحنيطه من دون قومه ، وقال لأصحابه : حرام على أصحابي وأهلي أن ينظروا إلى عورتي غير أخي علي ، فإنّه منّي وأنا منه ، له مالي ، وعليه ما عليَّ ، وهو قاضي ديني ومنجز موعدي.
ثمَّ قال لأصحابه : علي بن أبي طالب يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله ، ولم يكن عند أحد تأويل القرآن بكماله وتمامه إلاَّ عند علي ( عليه السلام ) ، ولذلك قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله) لأصحابه : أقضاكم علي ; أي هو قاضيكم ، وقال عمر بن الخطاب : لو لا عليٌّ لهلك عمر ، أفيشهد له عمر ويجحد غيره ؟!
فأطرق هشام طويلا ، ثمَّ رفع رأسه فقال : سل حاجتك.
فقال : خلَّفت أهلي وعيالي مستوحشين لخروجي.
فقال : قد آمن الله وحشتهم برجوعك إليهم ، ولا تقم أكثر من يومك .
فقال : قد آنس الله وحشتهم برجوعك إليهم ولا تقم ، سر من يومك ، فاعتنقه أبي ودعا له وفعلت أنا كفعل أبي ، ثمّ نهض ونهضت معه وخرجنا إلى بابه ، إذا ميدان ببابه وفي آخر الميدان اُناس قعود عدد كثير .
قال أبي : مَن هؤلاء ؟
فقال الحجّاب : هؤلاء القسّيسون والرهبان وهذا عالم لهم يقعد إليهم في كلّ سنة يوماً واحداً يستفتونه فيفتيهم .
فلفّ أبي عند ذلك رأسه بفاضل ردائه وفعلت أنا مثل فعل أبي ، فأقبل نحوهم حتّى قعد نحوهم وقعدت وراء أبي ، ورُفع ذلك الخبر إلى هشام ، فأمر بعض غلمانه أن يحضر الموضع فينظر ما يصنع أبي .
فأقبل وأقبل عداد من المسلمين فأحاطوا بنا ، وأقبل عالم النصارى وقد شدّ حاجبيه بحريرة صفراء حتّى توسّطنا ، فقام إليه جميع القسّيسين والرهبان مسلّمين عليه ، فجاؤوا به إلى صدر المجلس فقعد فيه ، وأحاط به أصحابه وأبي وأنا بينهم ، فأدار نظره ثمّ قال : لأبي : أمنّا أم من هذه الاُمّة المرحومة ؟
فقال أبي : بل من هذه الاُمّة المرحومة .
فقال : من أيّهم أنت من علمائها أم من جهّالها ؟
فقال له أبي : لست من جهّالها .
فاضطرب اضطراباً شديداً .
ثمّ قال له : أسألك ؟
فقال له أبي : سل .
فقال : من أين ادّعيتم أنّ أهل الجنّة يطعمون ويشربون ولا يحدثون ولا يبولون ؟ وما الدليل فيما تدّعونه من شاهد لا يجهل ؟
فقال له أبي : « دليل ما ندّعي من شاهد لا يُجهل : الجنين في بطن اُمّه يطعم ولا يحدث » ، قال : فاضطرب النصراني اضطراباً شديداً ، ثمّ قال : هلاّ زعمت أنّك لست من علمائها ؟
فقال له أبي : ولا من جهّالها ، وأصحاب هشام يسمعون ذلك .
فقال لأبي : أسألك عن مسألة اُخرى ؟
فقال له أبي : سل .
فقال : من أين ادّعيتم أنّ فاكهة الجنّة أبداً غضّة طريّة موجودة غير معدومة عند جميع أهل الجنّة ؟ وما الدليل عليه من شاهد لا يُجهل ؟
فقال له أبي : « دليل ما ندّعي أنّ ترابنا أبداً يكون غضّاً طريّاً موجوداً غير معدوم عند جميع أهل الدنيا لا ينقطع » .
فاضطرب اضطراباً شديداً ، ثمّ قال : هلاّ زعمت أنّك لست من علمائها ؟
فقال له أبي : ولا من جهّالها .
فقال له : أسألك عن مسألة ؟
فقال : سل .
فقال : أخبرني عن ساعة لا من ساعات الليل ولا من ساعات النهار .
فقال له أبي : « هي الساعة التي بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس يهدأ فيها المبتلى ، ويرقد فيها الساهر ، ويفيق المغمى عليه ، جعلها الله في الدنيا رغبة للراغبين وفي الآخرة للعاملين لها دليلا واضحاً وحجّة بالغة على الجاحدين المتكبّرين التاركين لها » .
قال : فصاح النصراني صيحة ثمّ قال : بقيت مسألة واحدة والله لأسألك عن مسألة لا تهدي إلى الجواب عنها أبداً .
قال له أبي : سل فإنّك حانث في يمينك .
فقال : أخبرني عن مولودين ولدا في يوم واحد وماتا في يوم واحد عمّر
أحدهما خمسون سنة ، وعمّر الآخر مائة وخمسون سنة في دار الدنيا .
فقال له أبي : « ذلك عُزير وعُزيرة ولدا في يوم واحد ، فلمّا بلغا مبلغ الرجال خمسة وعشرين عاماً ، مرّ عزير على حماره راكباً على قرية بأنطاكية وهي خاوية على عروشها (قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) وقد كان اصطفاه وهداه ، فلمّا قال ذلك القول غضب الله عليه فأماته الله مائة عام سخطاً عليه بما قال .
ثمّ بعثه على حماره بعينه وطعامه وشرابه وعاد إلى داره ، وعزيرة أخوه لا يعرفه فاستضافه فأضافه ، وبعث إليه ولد عزيرة وولد ولده وقد شاخوا وعزير شاب في سنّ خمس وعشرين سنة ، فلم يزل عزير يذكّر أخاه وولده وقد شاخوا وهم يذكرون ما يذكّرهم ويقولون : ما أعلمك بأمر قد مضت عليه السنون والشهور ، ويقول له عزيرة وهو شيخ كبير ابن مائة وخمسة وعشرين سنة : ما رأيت شابّاً في سنّ خمسة وعشرين سنة أعلم بما كان بيني وبين أخي عزير أيّام شبابي منك ! فمن أهل السماء أنت ؟ أم من أهل الأرض ؟
فقال : ياعزيرة أنا عزير سخط الله علىّ بقول قلته بعد أن اصطفاني وهداني فأماتني مائة سنة ثمّ بعثني لتزدادوا بذلك يقيناً إنّ الله على كلّ شيء قدير ، وهاهو هذا حماري وطعامي وشرابي الذي خرجت به من عندكم أعاده الله تعالى كما كان .
فعندها أيقنوا فأعاشه الله بينهم خمسة وعشرين سنة ، ثمّ قبضه الله
وأخاه في يوم واحد » .
فنهض عالم النصارى عند ذلك قائماً وقاموا ـ النصارى ـ على أرجلهم فقال لهم عالمهم : جئتموني بأعلم منّي وأقعدتموه معكم حتّى هتكني وفضحني وأعلم المسلمين بأنّ لهم من أحاط بعلومنا ، وعنده ما ليس عندنا ، لا والله لا كلّمتكم من رأسي كلمة واحدة ، ولا قعدت لكم إن عشت سنة ، فتفرّقوا وأبي قاعد مكانه وأنا معه ، ورفع ذلك الخبر إلى هشام .
فلمّا تفرّق الناس نهض أبي وانصرف إلى المنزل الذي كنّا فيه ، فوافانا رسول هشام بالجائزة وأمرنا أن ننصرف إلى المدينة من ساعتنا ولا نجلس ، لأنّ الناس ماجوا وخاضوا فيما دار بين أبي وبين عالم النصارى .
فركبنا دوابّنا منصرفين وقد سبقنا بريد من عند هشام إلى عامل مَدْيَن على طريقنا إلى المدينة أنّ ابنيَ أبي تراب الساحرين : محمّد بن علي وجعفر بن محمّد الكذّابين ـ بل هو الكذّاب لعنه الله ـ فيما يظهران من الإسلام وردا عليّ ولمّا صرفتهما إلى المدينة مالا إلى القسّيسين والرهبان من كفّار النصارى وأظهرا لهما دينهما ومرقا من الإسلام إلى الكفر دين النصارى وتقرّبا إليهم بالنصرانية ، فكرهت أن اُنكّل بهما لقرابتهما ، فإذا قرأت كتابي هذا فناد في الناس : برئت الذمّة ممّن يشاريهما أو يبايعهما أو يصافحهما أو يسلّم عليهما فإنّهما قد ارتدّا عن الإسلام ، ورأى أمير المؤمنين أن يقتلهما ودوابّهما وغلمانهما ومن معهما شرّ قتلة ، قال : فورد البريد إلى مدينة مدين .
فلمّا شارفنا مدينة مدين قدّم أبي غلمانه ليرتادوا لنا منزلا ويشروا لدوابّنا علفاً ، ولنا طعاماً ، فلمّا قرب غلماننا من باب المدينة أغلقوا الباب في
وجوهنا وشتمونا وذكروا علي بن أبي طالب صلوات الله عليه فقالوا : لا نزول لكم عندنا ولا شراء ولا بيع ياكفّار يامشركين يامرتدّين ياكذّابين ياشرّ الخلائق أجمعين فوقف غلماننا على الباب حتّى انتهينا إليهم فكلّمهم أبي وليّن لهم القول وقال لهم : اتّقوا الله ولا تغلظوا فلسنا كما بلغكم ولا نحن كما تقولون فاسمعونا .
فقال لهم : فهبنا كما تقولون افتحوا لنا الباب وشارونا وبايعونا كما تشارون وتبايعون اليهود والنصارى والمجوس .
فقالوا : أنتم شرّ من اليهود والنصارى والمجوس لأنّ هؤلاء يؤدّون الجزية وأنتم ما تؤدّون .
فقال لهم أبي : فافتحوا لنا الباب وأنزلونا وخذوا منّا الجزية كما تأخذون منهم .
فقالوا : لا نفتح ولا كرامة لكم حتّى تموتوا على ظهور دوابّكم جياعاً نياعاً أو تموت دوابّكم تحتكم ، فوعّظهم أبي فازدادوا عتوّاً ونشوزاً .
قال : فثنّى أبي رجله عن سرجه ثمّ قال لي : مكانك ياجعفر لا تبرح .
ثمّ صعد الجبل المطلّ على مدينة مدين وأهل مدين ينظرون إليه ما يصنع ، فلمّا صار في أعلاه استقبل بوجهه المدينة وجسده ، ثمّ وضع إصبعيه في اُذنيه ثمّ نادى بأعلا صوته : (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً) إلى قوله : (بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) .
نحن والله بقيّة الله في أرضه ، فأمر الله ريحاً سوداء مظلمة فهبّت
واحتملت صوت أبي فطرحته في أسماع الرجال والصبيان والنساء ، فما بقي أحد من الرجال والنساء والصبيان إلاّ صعد السطوح ، وأبي مشرف عليهم ، وصعد فيمن صعد شيخ من أهل مدين كبير السنّ ، فنظر إلى أبي على الجبل ، فنادى بأعلا صوته :
اتّقوا الله ياأهل مدين فإنّه قد وقف الموقف الذي وقف فيه شعيب (عليه السلام) حين دعا على قومه ، فإن أنتم لم تفتحوا له الباب ولم تنزلوه جاءكم من الله العذاب فإنّي أخاف عليكم وقد أعذر من أنذر » ، ففزعوا وفتحوا الباب وأنزلونا ، وكُتب بجميع ذلك إلى هشام فارتحلنا في اليوم الثاني ، فكتب هشام إلى عامل مدين يأمره بأن يأخذ الشيخ فيقتله رحمة الله عليه وصلواته وكتب إلى عامل مدينة الرسول أن يحتال في سمّ أبي في طعام أو شراب ، فمضى هشام ولم يتهيّأ له في أبي من ذلك شيء .